Wednesday, June 12, 2013

الطبع غلاّب


ناس كتير تصوّرت إن الـ 18 يوم بتوع الثورة بيعبروا عن الشعب المصري

لا ، دي كانت لحظة عابرة وخاطفة ، زيّها زي لحظة عبور خط بارليف. الإتنين بعدهم المصري رجع لأصله

مش بعدهم أوي الحقيقة ، لكن فى آواخر أيام الأحداث

وزي ما لحظة العبور إنتهت بثغرة مدمرة لقيمة ما تحقق بالعبور ، وإتفاقية سلام الكل عارف وشايف ولامس آثارها شديدة السوء

برضه الثورة ماشية على نفس الطريق ، وبنفس السرعة ، وغالباً إلى نفس المصير

بداية هذا الطريق ، كانت عبارة عن فقرة كوميدية لأحد "الثوّار" ، وهو يهزأ فيها من الهنود ، ويُمعن فى السخرية منهم لإضحاك "الثوار" ، وجمهور الفضائيات

شاهدت جزء فقط من اليوتيوب ساعتها بقرف ، وتأكدت إن فى ناس مش عايزة تنضف ، حتى فى عز وقت النضافة. وإن الثورة بدأت مرحلة السقوط بعدما وصلت للقمة بسرعة

توالت بعد ذلك أحداث كثيرة فى إتجاه السقوط    

بداية من الدعاية السلبية على إستفتاء التعديلات الدستورية ، والتي "بدأها" الرافضون للتعديلات بوضع الإخوان والحزب الوطني فى جهة "نعم" ، وغيرهم فى جهة "لا". دعاية حوّلت إستفتاء على تعديلات إلى إستفتاء على التيار الإسلامي كله

أذكر أن أول صورة مرسومة للدعاية بهذا الشكل كانت منسوبة للمخرج عمرو سلامة. فكان له السبق فى زرع بذرة الإستقطاب بعد الثورة ، وأسلوب الدعاية والمواجهة الإعلامية

ومن بعده جاء البرادعي ليزرع ويروي ويرعى بذرة الإنقلاب على نتيجة أي إستفتاء أو إنتخابات ليست على الهوى ، هوى أي أحد. وذلك بتزعمه محاولات الإلتفاف على نتيجة الإستفتاء

ثم أخذت حالة الإستقطاب فى التزايد

فعندما عرض الإخوان تشكيل إئتلاف إنتخابي ، رفضت معظم الأحزاب الناشئة المشاركة فى الإئتلاف. رغم أن الإخوان وضعوا وحيد عبد المجيد ، وهو ليبرالي ، مسؤلاً عن توزيع الترشيحات على المشاركين فى الإئتلاف

وكان سبب رفضهم كما أعلنوا ، هو رفضهم للعمل مع حزب مرجعيته إسلامية (هم قالوا دينية لكن معظمهم لم يمانع بعد ذلك فى الذهاب للكنيسة مستجدياً دعمها لحزبه)1

وقتها علّق السفير نبيل فهمي على فكرة الإئتلاف ، ومشاركة الوفد فيه ، بأن الإخوان "يتجملون بالليبراليين"!1

حتى عندما بدأ الحديث عن إنتخابات الرئاسة ، عندما طرح الإخوان فكرة "رئيس توافقي" بدأت حلقة السخرية والتهكم من الفكرة ، لتعود وتظهر فكرة "التوافق" من جديد كمطلب بعد أن خسر من سخروا منها كل إنتخابات دخلوها

ومازال الإستقطاب ، وعدم القبول بالصوت الحقيقي للشعب من خلال صناديق الإنتخابات مستمر فى التصاعد

فبعد نجاح مرسي فى إنتخابات الرئاسة ، ظهرت كتابات تحذّر من أن الإخوان سيحاولون الإستعانة بالليبراليين ، "قالوا ليبراليين تجنباً لذكر علمانيين" ، من أجل مساعدتهم على إدارة شئون البلد لغياب الخبرات الإخوانية فى هذا المجال

وكانت النصيحة غير المباشرة هى عدم الإستجابة لذلك

ثم هيّجوا االدنيا بعد ذلك بسبب إختيار الرئيس للحكومة ، ولأي مسئول فى البلد!1

كل المواقف قائمة على أساس رفض الإعتراف للرئيس بإستحقاقات إنتخابه للمنصب

الحقيقة أن الرئيس مرفوض قبل أن يأتي للحكم. وأن أغلب ، وليس كل ، المعارضة ليس بسبب أداؤه

وهذه قضية لا يملك الرئيس لها حل ، وغير مقبول منه وله ، أن يترك منصبه بعد أن تم إنتخابه له

Friday, January 11, 2013

كوفي شوب



بسرعة غريبة وترحاب حلّ كرنفال القهوة الغربية بكل مسمياتها مكان القهوة التي إعتاد المصريون على تناولها طوال حياتهم

إنزوى فنجان القهوة الصغير أم وش ، وزيادة وسادة وعالريحة ، ليظهر فى بعض الأماكن فقط مثل   نوادي القوات المسلحة ، والكافيهات القديمة التي مازال لبعضها وجود 

مجتمع غريب يتنازل بكل بساطة عن خصوصياته فى كل شىء ، بداية من اللغة إلى فنجان القهوة 

Wednesday, July 27, 2011

بدون عنوان أفضل


قرأت حديث لصلاح جاهين مع بي بي سي ، لم يجد فيه وصفاً يجب به على سؤال عن رأيه فى مرحلة معيّنة من حكم السادات غير "دعارة سياسية"

تذكّرت هذا الوصف بعد أن قرأت ملخّص لمؤتمر صحفي عقده البرادعي هذا الأسبوع

فهو "ينادي بالديمقراطية" ويرفض بإصرار نتيجة إستفتاء

و"يحذر من خطورة الإنقسام والتشرذم"و "يستهجن الدخول فى متاهات ومهاترات منذ الإستفتاء" بينما هو أحد الرعاة الأساسيين لذلك

ويصوّر "الرغبة" التي هى عكس نتيجة الإستفتاء على أنها "مأزق سياسي" للبلد كلّها

ثم يُعيد ويُزيد فى محاولة الإلتفاف على إرادة الشعب كلّ يوم بشكل مختلف. فبعد فشل مطلب المجلس الرئاسي ، جاء مطلب الدستور أولاً ، وبعد فشله جاء مطلب مواد فوقية ، وبعد ظهور الرفض لذلك ، تم تحوير المطلب ليكون مواد حاكمة ، وأخيراً مواد جنب الدستور بس برضه حاكمة

وبعد كل ذلك يقول "يجب أن نعرف كيف نختلف، ويجب أن نتحاور......" ، لكنه يدعو للحوار حول محتوى دستوره والمواد التي يريدها حاكمة للدستور ، وكأن المشكلة فى المواد وليست فى الفكرة نفسها


Sunday, July 24, 2011

أيام الثورة بعيون أمريكية

بعض التعليقات لبعض السياسيين والمتابعين لأحداث الثورة الذين إستضافتهم سي إن إن الموجّهة لشمال أمريكا ، والثورة فى عزّ حموتها


مذيعة سي إن إن تطلب من المراسل فى القاهرة أن يوجّه الموابيل اللي بيكلّمها منه للهتافات اللي فى الشوارع! الصور المنقولة جعلتها عايزة تسمعهم رغم إنها لا تفهم لغتهم

let's listen a little bit. listen to the sound
a lot of people are very happy and can't believe this has happened

amazing to see history unfold

أحد المتابعين للأحداث يعلّق على محاولات النظام إنهاء الثورة
they tried all the tricks in the book and it didn't work

الشغل الشاغل للبعض هو التخويف من ثورة الشعب المصري على مبارك. عنوان أحد الفقرات على الشاشة
Egypt 2011 vs. Iran 1979

مراسل سي إن إن يقول أنه إقترب منه ثلاثة من مجموعة مؤيدة لمبارك تهتف بأنها تموت وتحافظ على حكمه. قالوا له أن إدارة الشركة التى يعملون بها أمرتهم بالحضور للتظاهر لتأييد مبارك

-Edward Walker سفير سابق فى القاهرة

يعلّق على قبول الإخوان حضور لقاء مع عمر سليمان ضمن وفد من المشاركين فى الثورة
they don't want to be seen as holding back any chance for moving forward. they don't want to be blamed for economic problems

وعن مبارك
he ruled the country for many years and he did a lot of great things to his country and to us. he needs to go out with honor and if we can help him we will

he was supporter and ally and pro America as i can possibly imagine. but he has been our ally for 30 years .... but i won't jump to the conclusion that ikhwan will be in charge. there are seculars. yes ikhwan have share but i don't think they will be the leader. yes there will be a different system after Mubarak not as pro America as him was but we can deal with

وعن غياب سيرة الأمريكان والغرب ، بالخير أو الشر ، فى الشارع أثناء أحداث الثورة
they don't care for us for many reasons, primarily because of the Palestinian issue, our talk about democracy without doing anything, ...

وعن تأثير الثورة على العلاقات مع إسرائيل
it's up to Israel to make its case, it's not to us to do that

-John Negrobonti سفير أمريكي متخصّص فى العمليات الإجرامية وإفشال الثورات فى أمريكا الجنوبية. كان سفير فى العراق لشهرين أثناء الإحتلال ، بعدهم حصل إرتفاع كبير فى عمليات العنف الطائفي

رداً على تعليق we can't control the pace. look at the street

it's up to the government. the street isn't democracy the street isn't the government

things have to move from the street and TV to closed rooms

a step fast ally

he served our purpose well

Mona Altahawy
صحفية مصرية مقيمة فى أمريكا تعلّق بقوة وثقة فى محلّهما على موقف لا أتذكّره الآن

إحنا مش محتاجين دعم أمريكا ولا غيرها للتخلّص من مبارك ونظامه

Monday, May 16, 2011

إعادة الإختراع مقابل إعادة التدوير

نحن نحتاج إلى النظر فى فكرة الديمقراطية من أساسها وما إذا كانت مناسبة لنا بالصورة التي طبّقتها المجتمعات الغربية

إعادة تدوير المواد المستهلكة لا تأتي بمادة جديدة صالحة للإستخدام فى كل المنتجات ، بل تأتي بمادة يحذر إستخدامها فى منتجات كثيرة. كذلك إعادة تدوير أفكار الغير وتجاربه وممارساته ليست دائماً الحل المناسب لكل الشعوب

لذلك قد يكون الحل فى إعادة الإختراع

فعلتها مصر أكثر من مرّة. بل لم تفلح مصر فى مواجهة إلا عندما إخترعت طريقتها للإنتصار ، وكان التقليد دائماً عنصر أساسي فى فشلها

فى 1973 فعلها المصريون بدكّ خط بارليف بإستخدام مياه قناة السويس التي كان يقف الخط على ضفتها الأخرى حامياً لقوات الإحتلال بسد مائي وترابي منيع

وفى 2011 فعلوها مرّة أخرى بثورة لم يتوقّعها أحد. أعلنوا موعد صفارة البداية ومنحوا من أخبروه علناً أنهم ثائرون عليه ، عدّة أيام ليستعد لهم. هزأ كثيرون منهم بسبب هذا الإعلان ، ولهم حق ، فلم يسمع أحد بمثل ذلك من قبل

لم تعرف مصر الطائفية ولا التعالي ولا العنصرية وهى تعيد الإختراع ، لكنها تعرف كل ذلك وتعيشه بكل ما فيه من سواد وقبح وهى تعيد التدوير

لا أعتقد أن مصر ستنجح فيما يواجهها من هموم وتحديات كبيرة إن لم تبعد عن التقليد وتبتدع لنفسها الطريق الأنسب لها

Monday, April 4, 2011

الشريك المخالف

بالأمس حوّلوا أوّل إستفتاء حر ونزيه إلى حرب إعلامية بدأوها بحملة دعاية لموقفهم من التعديلات الدستورية إعتمدت على تشويه صاحب الرأي المختلف بوضع الإخوان والوطني ، كذباً ، فى جهة واحدة. ودخلت الكنيسة معهم على الخط

نجحوا ، عمداً أو دون قصد ، فى تحويل الإستفتاء من إستفتاء على التعديلات الدستورية إلى إستفتاء على شعبية وقوة التيّار الإسلامي كلّه. خسروا معركتهم وتناسوا أن خصمهم لم يستخدم غير أسلحتهم فى معركة هم بدأوها وإختاروها بدل محاولة إقناع صاحب الرأي المختلف بوجهة نظرهم ، أو حتى الحوار معه

واليوم ، إختلاف آخر فى الرأي بخصوص مظاهرة 1 أبريل يقود لبدأ حملة أخرى مشابهة تحت شعار "يا إخوان خليكوا فى بيوتكوا المظاهرة أحلى من غيركوا". لا أحد يدري إلى أين يقودنا هذا الأسلوب فى مواجهة الإختلاف فى الرأي

ما قرأته عن الموقف من المشاركة فى مظاهرة 1 أبريل منسوباً لـ "صفوت حجازي" هو تأجيل المظاهرة إلى 8 أبريل إستجابة لطلب من رئيس الوزراء على أن يلبّي المطالب قبل 8 أبريل ، وإن لم يحدث ذلك فليفعلوا ما يشاءوا. رفض البعض ذلك وقبله البعض ، فتم إتهام من قبلوا بعرض رئيس الوزراء بالإنتهازية! ولا شك عندي أنهم لو كانوا هم الرافضون للعرض ، والآخرون هم القابلون له ، ما كان ليغيّر ذلك فى موقف القابلون له فى تلك الحالة من شىء

تحديث: إنتهت مظاهرة 8 أبريل وغادر الإخوان مساء اليوم ، فكان ذلك أيضًا مدعاة للهجوم عليهم من البعض فى فصل جديد من محاولة لعب دور قيادي أهم علاماته هى فرض الرأي حتى لو كان رأى خاطىء كما إتضح من أحداث فضّ الإعتصام فجر 9 أبريل

Sunday, February 13, 2011

رسالة من الجزائر.. يا مصر


يا مصر !!
بقلم محمد البشير الإبراهيمي
نسمّيك بما سمّاك الله به في كتابه ، فكفاك فخرًا أنه سمَّاك بهذا الاسم الخالد الذي تبدَّلت أوضاعُ الكون ولم يتبدّل ، وتغيّرت ملامح الأرض ولم يتغيّر ، وحسبك تيهًا على أقطار الأرض أنه سمّاك ووصفها ، فقال في فلسطين : { الأرض المقدسة } و { القرى التي باركنا فيها } . وقال في أرض سبأ : { بلدة طيبة } ولم يُسم إلا الطور وهو جبل ، ومكة وهي مدينة . ويثرب وهي قرية . فتيهي وافخري بهذه الملاءة التي كساكيها الله ، وخذي منها القال على أنك منه بعين عناية لا تنام ، وبذمّة رعاية لا تُخفر ، وبجوار أمن لا يخزى جاره .
نأسى لك – يا مصر – أن أنزلتك الأقدار بهذه المنزلة التي جلبت لك البلاء وجرّت عليك الشقاء . وأن حبتك هذا الجمال الذي جذب إليه خُطّاب السوء من الأقوياء الطامحين ، والقوّاد الفاتحين . وأن أجرى فيك هذا الوادي العذب الذي كان فتنة الخيال البشري ، فلم يقنع لمائه إلا بأن ينبطه من الجنة ، وكان وثن القدماء من روّاده فتقرّبوا إليه بالنذور والقرابين ، وكان طغوى فرعون ذي الأوتاد ، فحرّك فيه نزعة الألوهية . فتوهّم أن شاطئية الأخضرين هما نهاية الكون . وأنهما كفاء لملك الله الطويل العريض ، وأن وضعك من هذا الكوكب الأرضي في موضع لواسطة من القلادة ، فتعلّقت بك الأبصار حتى (( كأنَّ عليك من حدق نطاقًا )) وأن جعلك برزخًا فاصلاً بين الشرق والغرب . فكنتِ – على الدهر – مجال احتراب بين الشرق والغرب . فصبرًا يا مصر فهذا الذي تعانيه هو مغارم الجمال والشرف والسّلطة .
* * *
سمّوك (( عروس الشرق )) ، فكأنما أغروا بك الخطّاب . وهجهجوا فيك الآساد الغلامية ووسموك (( بمنارة الشرق )) فَلَفتوا إليك الأَعْيُن الخزر . ولووا نحوك الأعناق الغلب ، ولو دعوك (( لبؤة الشرق )) لأثاروا – بهذا الاسم – في النفوس معاني رهيبة ، منها دقُّ الأعناق . وقصم الظهور ، وتزييل الأعضاء . وقديمًا سمَّوا بغداد دار السلام )) فجنوا عليها ، وكأنما دلوا المُغيرين عليها . ولو سمّوها (( دار الحرب . لأوحى الاسم وحده ما تنخلع منه قلوب الطامعين وتخنس له عزائمهم . وتنكسر لتصوّره الجيوش اللجبة ، فغفرًا – يا مصر – فما هذه الأسماء إلا من هُيام الشعراء .
* * *
ومازلت – منذ كُنت – مَهْوى أفئدة العظماء الفاتحين ، فأخذوك اقتسارًا وصلحًا – وحازوك طوعًا وكرهًا ، وما منهم إلا من مَهَرَك المهر الغالي – وساق إليك الثمين المدَّخر . بما خلّد فيك من آثاره . ربما خلّف فيك من سمات قومه ومعانيهم :
حازك ( الإسكندر ) فخلد فيك الإسكندرية . وملكك ( قمبيز ) فخلّف فيك شيت من فخار فارس وخيلائها ، وحلّ فيك ( بطليموس ) فخلّف فيك آثارةٌ من حكمة يونان ، وداعبَك ( قياصرة الرومان ) فخلّفوا فيك أثرًا من عظمة الرومان . وفتحك ( عمرو ) ، فَمَهَرك بيان العرب كلّه وهداية الإسلام كلها ، ففخرًا – يا مصر – فهذه المخايلُ اللائحة على صفحاتك هي بقايا مهورك الغالية . وإن إثمنها قيمة – وحقّك – وأثبتها أثرًا ، وأبقاها بقاء وأشبهها بشمائلك ، - لمهر ( عمرو .. ) فمازلت منذ تفيّأت ظل الإسلام الظليل ، تجدين منه في كل داجية نجمًا . ووراء كل داجية فجرًا . وما زلت كلما شكوت ضرًّا في دينك ، يخفّ إليك من يكشفه ، وكلّما شكوت شرًّا في دنياك . يخف إليك من يدفعه .
* * *
خفّ إليك (( جوهر )) حين لحقتك علامةُ التأنيث . وتقلّب على فراشك العبيد ؛ وخفّ إليك (( صلاح الدين )) حين امتُهِن فيك الدين . وخفّ إليك (( سليم )) حين لعبت بك أهواء المماليك ، وخفّ إليكِ (( علي )) حين تحكَم فيك الصّعاليك ، تأخّروا بركبك عن زمانك . فألحقك بزمانك ، وبالقوافل السائرة من بني زمنك ، وأراد لك أن يكون محلُّك من الغرب أمامًا ، وأن تكوني من الشرق أمًّا وأمًّةً وإمامًا ؛ فما عابوك ، ولكنهم هابوك ، فنصبوا لك في كل حفرة عاثورًا ، ووضعوا لك في كل فجّ فخٍّا . وأجمعوا على أن لا تكون لك جارية في بحر ، ولا سارية في بر . فمِن بعض ذلك كلّ ما تُعانين .
* * *
لئن كانت أزماتك في التاريخ كثيرة . فكلها إلى انفراج عاجل ، ومن المؤلم أن تطول بك المحنة في هذه الدورة من أدوار الفلك . وأن تُبلى بخصم لئيم الخصومة والكيد . مدّهما زمنه بالقوّة والأيد . وأن يستحلّ حُرُماتك غاصب غريب لا تجمعك به نسبة لشرق . ولا يلتفّ منكما – إلى آدم – عرق بعرق . فيجعل منك أداة لكيده . وجارحةً لصيده ، ومطية لصولته ، وطريقًا لظلمه وظلامه .. فلو أن المسالك تشترك في الإجرام مع السالك لكان لك المعركة في كل ما حمل الإنكليز من أوزار . ولحمَّلك العدل كفلاً من مأثمهم في الشرقيين . إذ لولا قناتك ما ثبت له على أديم الشرق قدم . فليتك تعاسرت بالأمس في حفر هذه القناة ، أو ليتك تصنعين بها اليوم ما صنع العرب بمناة . فتوسعين هذه ردمًا ، كما أسعوا تلك هدمًا ... حتى إذا ملكت أمرك حفرت ما يرويك لا ما يُرديك ، وما فضل ماء استنبطته يداك ، لينتفع به عِداك ؟ وما ذاد الاباة عن الحياض إلا لتكون لهم وردًا .

* * *
لا تُوحشنّك غربة .. إن مئات الملايين من القلوب رفافة على جنباتك ، حائمة على مواردك . هائمة بحبك ، تقطع الأنّات في التفكير فيك ، ولا تقطع الأنّات من الامتعاض لك ؛ وإن مئات الملايين من الألسنة رطبة بذكرك . متحرّكة بمدحك ، ناطقة بفضلك ، متغنيّة بمحاسنك ؛ وإن هذا لرأس مال عظيم ، لم تظفر به قبلك يدان .
أنت اليوم بمثابة العروبة في ثراك ، حيِيَ بيانها ، وبسقت أفنانها ؛ وفي رياضك تفتّحت أزهارها وغرّدت بلابلها ؛ ففي ذمة كل عربي حرّ الدم لك دين واجب الوفاء . وهذا أجل الوفاء .
وأنت اليوم قبلة المسلمين ، يُوَلّون وجوههم إليك كلّما حَزَبهم أمر ، أو حلّت بهم مُعضلة . وينفرون إلى معاهدك ، يمتارون العلم منها . وإلى كتبك يصحّحون الفكر والرأي عنها ، وإلى علمائك يتلقون الفتيا الفاصلة في الدين والدنيا عنهم . فلك – بذلك – على كل مسلم حق ، وهذا أوان الحاجة إليه .
وأنت اليوم مأزر الإسلام ، فكلّما سيم الهوان في قطر ، أو رماه زنديق بنقيصة ، فزع إليك واستجار بك يلتمس الغوث ويستمد الدفاع ، فلك على المسلمين في المشارق والمغارب فضلُ الحماية لدينهم ، وعليهم أن يَطيروا خفافًا وثقالاً لنصرتك ، ثم لا منّة لهم عليك ولا جميل .
* * *
وكيف بك – مع هذا – لو كنت مظهرًا للإسلام الصحيح ، ولمُثُله العليا في العقائد والأعمال والأحكام ، إذن لكنت قدوةُ في إحياء سننه التي أماتتها البدع ، وفي إقامة أعلامه التي طمستها الجهالات ، وفي بعث آدابه التي غطت عليها سخافات الغرب ، وفي نشر هدايته التي طوتها الضلالات ؛ وإذن لحييت وأحييت ؛ ومن الغريب أنك قادرة على تغيير ما بك من هذه الأدران ، ثم لم تغسلي ؛ وإنك قادرة على إعادة الإسلام إلى رسومه الأولى ، ثم لم تفعلي ، ويمينًا برّة لو فعلت لما حلّ بك ما حلّ . ولو فعلت لقُدت المسلمين بزمام ، ولكنت – بهم – للعالم كله إمامًا أيّ إمام .
* * *
وسبحان من قسّم الحظوظ بين الجماعات فأعطى حلّ جماعة حظًّا لا تعدوه ، وفرّق الخصائص على البقاع فخصّ كل بقعة بسرّ لا يعدوها . فما زلنا نستجلي من صنع الله لك وللإسلام لطيفة سماوية ، وهي أنه كلما رثت جدّة الإسلام ، وخالطته المحدثات ، سطع في أفق من آفاقه نجم يهدي السارين إلى سوائه ، وارتفع صوتٌ بالدعوة إلى أصول هدايته ، ثم لا يلبث ذلك النجم أن يخبو ، وذلك الصوت أن يخفت ، إلا نجمًا سطع في أفقك ، وصوتًا ارتفع من أرجائك ، وقد ارتفعت أصوات بالإصلاح الديني في أقطار الإسلام ، وفي حقب معروفة من تاريخه ، فضاعت بين ضجيج المبطلين ، وعجيج الضالين ، إلا صوت (( محمد عبده )) فإنه اخترق الحدود وكسر السدود .
* * *
عَهدكِ التاريخ صخرةً من معدن الحق ، تنكسر عليها أمواج الباطل ، فكوني أصلب مما كنت ، وأرسخ قواعد مما كنت ، تنحسر الأمواج وأنتِ أنتِ .
أقدمت فصمّمي ... وبدأت فتمّمي ... وحذار من التراجع ، فإن اسمه الصحيح (( الهزيمة )) ، وحذار من التردّد فإنه سوس العزيمة .
إنك فائزة هذه المرة بأقصى المطلوب ، لأنك أردتِ فصمّمت ، وإنما يعين الله من مخلوقاته المصمِّمين ، وإذا كان المطلوب حقًّا ، وكان الطلب عدلاً فأكبرُ الأعوان على نيله التصميم ، فصمّمي ، ثم صمّمي .
إن قلبي يحدّثني حديثًا كأنما استقاه من عين اليقين ، وهو أنك فائزة منتصرة ظافرة في هذه المعركة ، لأنك استعملت فيها سلاحًا كنت تنشدينه فلا تجدينه ، وهو الإرادة ، يحدوها التصميم ، يمدّها الإيمان بالحق ، يربط ثلاثتهما الإجماع على الحق .
إنك فائزة في هذا اليوم بالأمنية التي عملت لها قرونًا ، وإن فوزك فوز للعرب وللإسلام والشرق ؛ فيا ويح دعاة الوطنيّات الضيّقة المحدودة ، إذا أقدم الأبطال نكصوا ، وإذا زاد الناس نقصوا ؛ ويحهم إنّ المستعمر سارق ، وإن السارق الحاذق لا يسرق إلا في الظلمة أو في الغفلة ، فإذا انحسر الظلام . أو انقشعت الغفلة ولّى مدبرًا بالخيبة والخسار ، وإن مصر لفي فجر صادق ، وإنها لفي يقظة صاحية . فأيّ موضع يسع السارق فيها ؟
صمّمي ، وأقدمي ، ولا يخدعنك وعد ، ولا يزعجنك وعيد ، ولا تُلهينّك المفاوضات والمخابرات ، فكلّها تضييع للوقت . وإطالة للذل . ولقد جرّبت ولُدِغت من جُحر واحد مرارًا ! .
إن الخصوم – كما علمت – لئام . فاقطعي عنهم الماء والطعام ، وإن اللؤم والجبن توأمان منذ طبع الله الطباع ، فحرّكي في وجوههم تلك القوى الكامنة في بنيك يرتدعوا .
صمّمي وقولي للمتعاقلين الذين يعذلونك على الإقدام : (( إنّ أضيعَ شيء ما تقول العواذل )) .
* * *
الثُرى كنانتك – يا كنانة الله – فإن لم تجدي فيها سلاح الحديد والنار فلا تُراعي واحرصي على أن تجدي فيها السلاح الذي يفل الحديد ، وهو العزائم ، والمادة التي تطفئ النار . وهي اتحاد الصفوف ؛ والمسنّ الذي يشحذ هذين ، وهو العفة والصبر ؛ فلعمرك – يا مصر – إنهم لم يقاتلوك بالحديد والنار إلا ساعةً من نهار . ولكنهم قاتلوك في الزمن كله بالأستاذ الذي يُفْسد الفكر ، وبالكتاب الذي يزرع ا لشك . وبالعلم الذي يُمرض اليقين ، والصحيفة التي تنشر الرذيلة ، وبالفلم الذي يزيّن الفاحشة . وبالبغيّ التي تخرب البيت ؛ وبالحشيش الذي يهدم الصحة ؛ وبالممثلة التي تمثّل الفجور ؛ وبالراقصة التي تُغرى بالتخنث ؛ وبالمهازل التي تقتل الجدّ والشهامة ؛ وبالخمرة التي تذهب بالدين والبدن والعقل والمال ؛ وبالشهوات التي تفسد الرجولة ، وبالكماليات التي تُثقل الحياة ؛ وبالعادات التي تناقض فطرة الله ؛ وبالمعاني الكافرة التي تطرد المعاني المؤمنة من القلوب ؛ فإن شئت أن تُذيبي هذه الأسلحة كلها في أيدي أصحابها فما أمرك إلا واحدة . وهي أن تقولي : إنِّي مسلمة .. ثم تصومي عن هذه المطاعم كلها .. إن القوم تجّار سوء ، فقاطعيهم تنتصري عليهم ... وقابلي أسلحتهم كلّها بسلاح واحد ، وهو التعفّف عن هذه الأسلحة كلها .. فإذا أيقنوا أنك لا حاجة لك بهم ، أيقنوا أنهم لا حاجة لهم فيك ، وانصرفوا ... وماذا يصنع (( المُرابي )) في بلدة لا يجد فيها من يتعامل معه بالربا ؟
* * *
نعمة من الله عليك أن امتحنك بهذه المحنة ، وأنت في مفترق الطرق ، ولو تأخّرت المحنة قليلاً لخشينا أن تسلُكي أضل السبل . فرصة من فرص الدهر ، هيأها لك القدر للرجوع إلى هدي محمد ، ومحامد العرب ، وروحانية الشرق ، فإن انتهزتها محوت آية الغرب ، وجعلت آية الشرق مبصرة .
* * *
ويا مصر ، نحن وأنت سواء في طلب الحق ومطاردة غاصبة ، ونحن وأنت مستبقون إلى غاية واحدة في ظلام دامس ، ولكنك أصبحتِ ، فيا بشراك ويا بشرانا بك ، ولم نزل نحن في قطع من الليل ، نرقب الفجر أن ينبلج نُوره ، وما الفجر منّا ببعيد

لينك المقال